حبيب الله الهاشمي الخوئي

10

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

من الجنّة والنّاس كما يقال نعوذ باللَّه من شرّ كلّ مارد من الجنّ والانس ، وعلى هذا فيكون وسواس الجنّة هو وسواس الشّيطان ، ووسواس الانس إغواء من يغويه من النّاس ، فشيطان الجنّ يوسوس وشيطان الانس يأتي علانية ويرى أنه ينصح وقصده الشرّ ويموّه ويلقى في سمعه زخرف القول الذي يستحسن ظاهره ويقبح باطنه . ( فأضل وأردى ووعد فمنى ) أي أضلّ بنفوذه في الصدور ووسوسته في القلوب عن طريق الهداية وأوقع في أودية الهلاكة أعني هلاكة الآخرة الموجبة لاستحقاق النار ولغضب الجبار ووعدهم بالمواعيد الكاذبة ومنّا هم الأماني الباطلة كما قال سبحانه : * ( ومَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ الله فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً يَعِدُهُمْ ويُمَنِّيهِمْ وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ ولا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً ) * . أي يمنّيهم الأهواء الباطلة ويلقيها في قلب الانسان فيمنّيه طول البقاء وأنّه ينال من الدّنيا مقصوده ويستولى على أعدائه ويوقع في نفسه أنّ الدّنيا دول فربّما تيسّرت لي كما تيسّرت لغيري ، ويشوّش بذلك فكره في استخراج الحيل الدّقيقة والوسائل اللَّطيفة في تحصيل مطالبه الشّهويّة والغضبيّة ، فيصدّه عن الطاعة ويوقعه في المعصية وتسويف التّوبة . وهذه الأماني إنّما تنشأ من الثّقة بقوله والوثوق بوعده ، ووعده تارة يكون بالقاء الخواطر الفاسدة وأخرى بألسنة أوليائه من شياطين الانس ، فربّما يعد بالمغفرة مع الكبيرة كما قال تعالى : يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا ، وربّما يعد أنّه لا قيامة ولا حساب ولا ثواب ولا عقاب ويقول للإنسان اجتهد في استيفاء اللَّذات العاجلة واغتنم الحياة الزّائلة . ( وزيّن سيئات الجرائم وهوّن موبقات العظائم ) أي زيّن في نظر الانسان